مقالات تحليلية

منتدى النقب.. ظروف الانطلاق وإشكاليات الاستمرار

14-Jul-2023

لا يزال الغموض يلف مصير النسخة الثانية من منتدى النقب التي من المزمع انعقادها في المغرب، وفي ظل تغير الظروف الدولية والإقليمية وأبرزها تراجع مسار التطبيع العربي-الإسرائيلي، والتصعيد في الأراضي الفلسطينية، والخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية حول الحرب الأوكرانية والموقف من روسيا والصين، فإن الأجواء السياسية على ما يبدو غير مناسبة في الوقت الحالي لعقد المنتدى.

وقد أعلن وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، تأجيل الاجتماع الوزاري الثاني لـ"منتدى النقب" الذي كان مقرراً شهر يوليو، وذلك لأن "السياق السياسي الحالي" لا يسمح بانعقاده. وكان من المقرر عقد اجتماع وزراء خارجية إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب ومصر والولايات المتحدة في مارس الماضي، لكن تم تأجيله عدة مرات.


ظروف انطلاق منتدى النقب

انطلقت فكرة المنتدى من عاملين مهمين، الأول هو تنامي التقارب العربي-الإسرائيلي حينها، حيث يعد هذا المنتدى من أبرز ثمار الاتفاقيات الإبراهيمية. أما العامل الثاني والذي كان مشجعاً لإطلاق هذا المنتدى فهو ارتفاع مستوى التوتر مع إيران التي زادت تهديداتها لدول المنطقة حينها. ويهدف هذا المنتدى في منظوره العام إلى ترسيخ التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل بشكل حقيقي من خلال إطلاق التعاون في مجالات متنوعة حيث عقدت النسخة الأولى من منتدى النقب في مارس 2022، بمشاركة وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والدول العربية التي أبرمت اتفاقيات إبراهيمية مع إسرائيل، وهي الإمارات والبحرين والمغرب بالإضافة إلى مصر التي قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل منذ عقود.

خلال تلك القمة، اتفق وزراء خارجية الدول الست على تحويل قمة النقب إلى منتدى دائم ومنصة تعاون إقليمي تستهدف تعزيز الرخاء والاستقرار والازدهار على الصعيد الإقليمي ودعم مصالح كل دول المنطقة وتحقيق التنمية المستدامة، وتوفير الحلول للتحديات القائمة بما يحقق مستقبلاً أفضل للأجيال المقبلة، ولتحقيق تلك الأهداف تم الاتفاق على تشكيل 6 مجموعات عمل لتعزيز التعاون في 6 مجالات وُضعت كأولوية وهي: الأمن الغذائي والتكنولوجيا المائية، والرعاية الصحية، والتعليم والتعايش السلمي، والطاقة النظيفة، والأمن الإقليمي، والسياحة.

كان رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت آنذاك ووزير خارجيته يطمحان إلى الخروج من هذه القمة بتحالف إقليمي ضد إيران، لكن لم يصدر أي بيان مشترك يشير إلى هذا التحالف. وكان أبرز ما اتفق عليه المجتمعون إعلان القمة كمنتدى دائماً يطلق عليه "منتدى النقب" وسيجتمع بشكل دوري لبحث القضايا الإقليمية. كما لم يتحقق الهدف الإسرائيلي بإنشاء "حلف ناتو" إسرائيلي-عربي، إذ يرتبط ذلك بموافقة الولايات المتحدة.

 في اليوم الأول طرح وزراء الخارجية المشاركون مختلف الأفكار للدفع قدماً بالتعاون من أجل حماية تلك الدول من إيران. وأطلقوا على هذه الخطة اسم "هندسة الأمن الإقليمي"، وفي مضمونها بلورة حلول رادعة أمام التهديد الإيراني، جواً وبحراً، وكان الملف الإيراني في مركز محادثات اليوم الثاني للقمة، إلى جانب هذا بحث وزراء الخارجية عدداً من المشكلات الآنية، مثل أزمة القمح التي ترفع أسعار الخبز في المنطقة في أعقاب الحرب الروسية-الأوكرانية والمبادرات الزراعية، ومحاولة توجيه النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط وتصديرهما إلى أرجاء العالم في أعقاب الأزمة، وفق مسؤول إسرائيلي، (إندبندنت عربية - 29 مارس - 2022).


النتائج حتى الآن

لم تحقق النسخة الأولى من المنتدى، لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أهدافاً إستراتيجية كبيرة؛ إذ كانت إسرائيل تريد تشكيل تحالف شرق أوسطي مناهض لإيران، بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد دفع الدول المشاركة إلى اتخاذ موقف ضد روسيا حيث أخذت دول الشرق الأوسط وخاصة الخليجية موقفاً محايداً من الحرب الروسية-الأوكرانية بالإضافة إلى أنها تقاربت كثيراً مع روسيا والصين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كانتا تخططان لأن يكون هذا المنتدى قابلاً للتوسع من خلال ضم دول شرق أوسطية وعربية إليه، خاصة السعودية، إلا أن ذلك لم يتم، وتراجعت رغبة الدول العربية في إقامة علاقات مع إسرائيل وتحديداً بعد التغييرات السياسية الأخيرة في إسرائيل ووصول اليمين المتطرف إلى الحكم في إسرائيل.

على الصعيد الاقتصادي، أدت اتفاقية تم توقيعها في فبراير 2022 إلى زيادة التجارة بين المغرب وإسرائيل بأربعة أضعاف، والتي تقدر قيمتها الآن بـ 500 مليون دولار سنوياً. وفقاً لوزارة التعاون الإقليمي الإسرائيلية، ستستمر هذه العلاقات الاقتصادية في النمو. هناك إمكانات عالية بشكل خاص في قطاع الأعمال الزراعية؛ لاسيما عندما يتعلق الأمر بتكنولوجيا الري الإسرائيلية والهيدروجين الأخضر. 

ومن المقرر أيضاً أن تكون السياحة جزءاً رئيسياً من الشراكة الاقتصادية، حيث تأمُل الرباط جذبَ الزوار من الجالية الكبيرة للإسرائيليين من أصل مغربي. تشمل التقديرات 200 ألف سائح إسرائيلي لعام 2022، مع توقعات بأن هذا العدد سيرتفع أكثر، بحلول مايو 2022، بلغ إجمالي الاتفاقات التجارية بين المغرب وإسرائيل حوالي 3.1 ملايين دولار، بزيادة قدرها 94٪، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، أي ما يقرب من الضعف. 

خلال ذلك الاجتماع، ركز 150 من كبار الممثلين من مختلف الموقعين على اتفاقية الشراكة ومصر على إنشاء ست مجموعات عمل لتغطية مختلف جوانب التعاون وتوجيه المناقشات في القمم المقبِلة، على الرغم من أن التفاصيل لا تزال غامضة. 

ومن خلال قمة النقب القادمة في الداخلة، من المرجح أن تعمل الرباط على الاستفادة من القمة كفرصة لإحراز تقدم في القضية الفلسطينية الإسرائيلية. قد يسعى المغرب للتأكيد على أنه على المدى الطويل، ستساعد المشاركة في منتدى النقب إلى جانب العديد من الفاعلين الإقليميين الرئيسيين في تحقيق السيادة الكاملة للفلسطينيين على وطنهم بالإضافة إلى السلام والاستقرار والنمو الاقتصادي، (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى - 16 فبراير 2023). 


إشكالات وعوائق أمام إكمال مسار المنتدى

إلى الآن لم يتم حسم موعد النسخة الثانية من منتدى النقب حيث تم تأجيله عدة مرات إذ كان من المزمع عقده في المغرب. وعلى الرغم من أن تقريراً إعلامياً إسرائيلياً أفاد بأن الصومال وجزر القمر وافقتا على المشاركة في مؤتمر "منتدى النقب" الذي يضم دول "اتفاقيات إبراهيم" إلى جانب مصر، (روسيا اليوم - 29 /6/2023)، فإن صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، نقلت عن مسؤولَيْنِ أمريكي وإسرائيلي، أن المغرب قرر إلغاء خطط استضافة الاجتماع الوزاري الثاني لـ"منتدى النقب" في نسخته الثانية، ردّاً على تحركات إسرائيلية لتوسيع المشروعات الاستيطانية في الضفة الغربية وكان من المقرر عقد اجتماع وزراء خارجية إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب ومصر والولايات المتحدة في مارس 2023، لكن تم تأجيله عدة مرات، (الحرة - 21 يونيو - 2023).

هناك عوائق تقف أمام هذا المنتدى، منها:

-التصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والذي ازداد منذ وصول الحكومة اليمينة المتطرفة إلى السلطة في إسرائيل؛ حيث كثفت عمليات الاستيطان والهجمات والاعتداءات على الأماكن المقدسة وهذا ما دفع الدول التي أبرمت اتفاقيات مع إسرائيل إلى تخفيف مسار التطبيع معها، فمن المتوقع أن الدول العربية ستشترط على إسرائيل أن تقوم بالتهدئة والتراجع عن سياساتها المتشددة مقابل عقد المنتدى، حتى وإن تم عقده فإن ملف التصعيد الإسرائيلي سيكون حاضراً بقوة وسيؤثر على أجواء ونقاشات المنتدى ما سيؤدي إلى انتهائه دون نتائج مهمة.

-تغير الظروف بالنسبة إلى الملف الإيراني، حيث كان الهدف من عقد النسخة الأولى هو توجيه رسالة إلى إيران بالإضافة إلى أنه كان هناك حديث عن تعاون مشترك ضد طهران، لكن الآن معظم دول المنطقة أطلقت مساراً تصالحياً مع إيران، فمن غير المتوقع أن تشارك هذه الدول في منتدى يناقض الأجواء الإقليمية والدولية الحالية، ولذلك فإنه وفي حال تم عقد المنتدى سيغيب عنه الملف الإيراني؛ وهذا ما لا تريده إسرائيل.

إلا أن الباحث في العلاقات الدولية بمعهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة سكاريا (تركيا) نشأت شوامرة يرى أن المغرب وشركاءَه في قمة النقب "2"، قلقون بشكل خاص من التهديد الذي تشكله إيران، ففي حين سعت بعض الدول الخليجية مؤخراً إلى تهدئة التوترات من خلال زيادة التواصل مع إيران، فإن طهران لا تزال تشكل تهديداً نشطاً في المجالات التي تهم المغرب. 

يذكر أن المغرب قد قطع علاقاته مع إيران في عام 2009 ومرة أخرى في عام 2018، عندما اتهم الملك محمد السادس إيران وحزب الله اللبناني، بتقديم الدعم اللوجستي والعسكري لجبهة البوليساريو، التي تعارض سيطرة المغرب على الصحراء الغربية. كما أن إيران تقيم علاقات مع الجزائر، خصم المغرب؛ أثار نشاط إيران المزعوم في منطقة الساحل الإفريقي، التي تُعد منطقة إستراتيجية مهمة في البعد الإفريقي للسياسة المغربية الخارجية، مخاوفَ كبيرة بالنسبة للمغرب وإسرائيل على وجه الخصوص. 

ورغم ندرة المعلومات المتاحة للجمهور، أفادت التقارير أن فيلق القدس الإيراني وقوات حزب الله المدعومة من قبل إيران حاولت إيجاد موطئ قدم لها في منطقة الساحل، حيث تقوم تلك المجموعات بتجنيد الجماعات الشيعية في نيجيريا وغانا والسنغال ووسط وشرق إفريقيا. في شهر فبراير، أعربت إسرائيل عن تحذيرات مماثلة بشأن النشاط الإيراني في تشاد. علاوة على ذلك، لطالما كان المغرب قلقاً بشأن الدعم الإيراني الواضح لجبهة البوليساريو في الصحراء الغربية، وهو اتهام قامت على خلفيته الرباط بقطع علاقاتها مع طهران في عام 2018، (معهد واشنطن - 13 يونيو - 2023).

-يسعى المغرب من خلال هذا المنتدى إلى تحصيل اعتراف ضمني بسيادته على الصحراء الغربية حيث حدد مكاناً هناك لعقد هذا المنتدى، وهذا ما تحاول تجنبه الولايات المتحدة الأمريكية. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين، إن تل أبيب ستتخذ قرارها النهائي بشأن سيادة المغرب على إقليم الصحراء في "منتدى النقب" المنتظر عقده منذ شهور في المغرب، وأضاف في تصريحات نقلتها هيئة البث الإسرائيلية الحكومية: "نعمل حالياً على هذه القضية وخطتنا هي اتخاذ قرارنا النهائي في منتدى النقب المرتقب" وذكر كوهين أنه "من المتوقع أن تستضيف المغرب المنتدى في سبتمبر أو أكتوبر من هذا العام 2023".


خلاصات تحليلية:

من خلال ما سبق يتبين أن الظروف الدولية والإقليمية قد تغيرت؛ ما أدى إلى تأجيل انعقاد النسخة الثانية من منتدى النقب، كما أن النتائج التي تحققت من النسخة الأولى لم تكن مشجعة للدول العربية على إكمال هذا المسار.

 من المتوقع إلى حد كبير أن يستمر تأجيل هذا المنتدى حتى الوصول إلى تهدئة في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى اتفاق بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. فعلى الرغم من رفض المغرب انعقاد هذا المنتدى فإنه سيسعى للحصول على أمرين: الأول، ضمانة أن يكون هناك هدوء في الأراضي الفلسطينية كي لا تكون الدول العربية المشاركة في هذا المنتدى في وضع محرج. الثاني، دعم أمريكي-إسرائيلي لتثبيت سياداته على الصحراء الغربية.


twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 28