مقالات تحليلية

إيران بعد وفاة رئيسي: الخطوط العريضة ثابتة لكن التفاصيل قد تختلف

21-May-2024

تتجه معظم الأنظار حول العالم إلى التطورات الأخيرة في إيران، على خلفية وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان وعدد من المسؤولين، وذلك في حدث مفاجئ هو الأهم بالنسبة للبلاد التي تدخل في صراعات خارجية عديدة انعكست بشكل أو بأخر على الأوضاع السياسية والاقتصادية. هو وضع رفع مستوى حالة عدم اليقين، حيث تركت الوفاة إيران دون قيادة رئيسية في لحظة حاسمة يشهدها الشرق الأوسط.

ما بعد رئيسي

رغم أهمية الحدث الذي أودى بحياة رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، وبحسب طبيعة النظام الإيراني، فإن هذه التطورات لن تؤثر بشكل واضح في الحياة السياسية والمدنية في البلاد؛ لأن مؤسسات الدولة وأجهزتها ترتبط بشكل غير مباشر بالهرم الأعلى، المرشد الأعلى علي خامنئي ومستشاريه بدعم من الحرس الثوري.

وتنص المادة 131 من الدستور على أنه في حالة وفاة الرئيس، أو إقالته، أو استقالته، أو غيابه فترة طويلة، أو مرضه، أو في حالة عدم انتخاب رئيس جديد، يتولى النائب الأول صلاحياته بموافقة المرشد الأعلى، وعلى هذا الأساس تم تكليف النائب الأول محمد مخبر بمهمات الرئيس.

ووفقاً للمواد الدستورية التي تحدد مسار البلاد في هذه الحالة، فإنه من المطلوب أن يتم تشكيل مجلس يتألف من رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية والنائب الأول للرئيس الذي تكلف بمهمات الرئاسة، للإشراف على ترتيب إجراء انتخابات خلال مدة لا تتجاوز 50 يوماً، وفي حال لم يتمكن النائب الأول للرئيس من تنفيذ مهماته كرئيس مكلف للبلاد يقوم المرشد الأعلى باختيار شخص بديل عنه.

ورغم تكليف النائب الأول بمهمات الرئاسة، فإنه ووفقاً للدستور لا تجوز إقالة الوزراء أو التصويت على حجب الثقة عنهم، كما لا يمكن إجراء أي تعديلات دستورية، أو استفتاءات خلال فترة تولي النائب الأول صلاحيات الرئيس.

تأثيرات في الداخل 

نتيجة لطبيعة النظام السياسي في إيران، يمكن التقليل من تأثير وفاة رئيسي في هذا الظرف الزماني، ولا يمكن إغفال أهمية ذلك بشكل كامل، لأن رئيسي كان مقرباً من المرشد الأعلى لذلك يتمتع بنوع من القوة التي أثرت إلى حد ما في سياسة البلاد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وحتى الخارجي.

الأهمية الثانية، تأتي من أن النظام الإيراني سيكون مضطراً إلى إجراء انتخابات بشكل عاجل، وغير مرغوب فيها، في ظل تصاعد التوتر بين إيران والغرب وإسرائيل، إلى جانب تزايد حالة الغضب الشعبي نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. بالإضافة إلى أن طهران كانت مطمئنة لوجود رئيسي في منصب الرئاسة، خاصة أن الدولة تمر بمرحلة حساسة عنوانها الاستمرار من جيل إلى جيل، خاصة فيما يتعلق بالمرشد الأعلى الذي يبلغ من العمر 85 عاماً.

وإلى جانب ذلك، فإن أهمية وفاة رئيسي تأتي أيضاً من كونه أحد الخلفاء المحتملين لخامنئي في حال وفاته، بالتالي فإن ذلك سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس بين شخصيات أخرى. ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى أنه تم إعداد رئيسي بشكل منتظم ودقيق لخلافة محتملة للمرشد، وتمت تقويته خلال السنوات السابقة بدءاً من وضعه كبديل لحسن روحاني، وصولاً إلى فوزه المريح بانتخابات عام 2021. تقول لوموند الفرنسية إنه لسنوات، ظل رئيسي يُطرح كأحد الخلفاء المحتملين للزعيم البالغ من العمر 85 عاماً، وكان انتخابه عام 2021 خطوة أولى نحو اختياره خلفاً لخامنئي (صحيفة لوموند الفرنسية – 20 مايو 2024).

وحتى وفاته، كان رئيسي الرئيس الأكثر طاعة في تاريخ إيران، وظل قريباً من المرشد الأعلى طوال فترة ولايته. وقبله، فقد أسلافه، حسن روحاني (2013-2021)، ومحمود أحمدي نجاد (2005-2013)، ومحمد خاتمي (1997-2005)، وأكبر هاشمي رفسنجاني (1989-1997)، الحظوة لدى المرشد الأعلى. 

في جانب آخر، تأتي وفاة رئيسي في ظل الصعود الواضح للتيار المتشدد في جميع أركان النظام، وهذا ما تبين خلال الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد، لكن رغم ذلك لا يوجد مرشح متشدد واضح ليحل محل رئيسي، إلا أن بعض التقارير رجحت احتمال اختيار رئيس البرلمان والمرشح الرئاسي السابق، محمد قاليباف، وهو يواجه معارضة من قبل أوساط متشددة في إيران نظراً إلى كونه فشل سابقاً في حملتين رئاسيتين.

لقد اعتقد مجلس صيانة الدستور - الهيئة التي تحدد المرشحين الذين يتمتعون بالولاء الكافي لأيديولوجية الجمهورية الإسلامية للسماح لهم بالترشح - أن لديه في رئيسي زعيماً سيكون موجوداً لنقل إيران إلى الجيل التالي، جيل ما بعد خامنئي. ومع تحطم هذه الخطة الآن، فمن المرجح أن يكون مجلس صيانة الدستور أكثر صرامة بشأن من يسمح له بحملته الانتخابية، عازماً على ضمان قدرة الرئيس القادم على الدفاع عن الثورة وحمايتها في وقت الاضطرابات المحلية والإقليمية (المجلس الأطلسي، 20 مايو 2024).

انعكاسات خارجية

في ظل تمسك المرشد الإيراني ومستشاريه والحرس الثوري بالخيوط الرئيسية للسياسة الخارجية، ستنعكس حادثة الطائرة وغياب رئيسي وعبد اللهيان عن الواجهة، على حركة إيران الخارجية. فمن جهة ستكون طهران منشغلة بترتيب البيت الداخلي في ظل ظروف حساسة داخلية، وبالتالي ستكون مترددة في القيام بأي تصعيد خارج الحسابات والحدود الطبيعية.

ومن جهة ثانية فإن هذا الانشغال وغياب الرجلين، سيدفع إلى تأجيل استحقاقات سياسية ودبلوماسية مهمة، على رأسها التفاوض غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى تأجيل التفاوض بين إيران والمنظمات الدولية بشأن الملف النووي، إلى جانب إمكانية إهمال مسارات التفاوض والتقارب مع دول عربية.

خلاصات تحليلية

رغم أن هذه الحادثة لم تأت نتيجة عدوان خارجي، ولم يتأكد وجود خلافات وانشقاقات داخلية تقف وراءها، فإنه من المؤكد أن إيران في هذه المرحلة الحساسة ستشهد مزيداً من الجدل والخلاف والتنافس بين الشخصيات والأجنحة، وذلك بما يشبه الصراع على السلطة.

والخلاصة وفق المجلس الأطلسي، تقوله إنه ربما تسبب غياب رئيسي في صدمة، لكن من غير المرجح أن يغير هذا الأمرُ الاتجاهَ الإستراتيجي لإيران، سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية. وبينما كان رئيسي يحمل لقب الرئيس، كانت سلطته مقيدة من قبل المرشد الأعلى، الذي تُناط به السلطة النهائية في الجمهورية الإسلامية (المجلس الأطلسي، 20 مايو 2024). 


twitter icon threads icon 8