مقالات تحليلية

المرحلة النهائية للاتفاق الإطاري في السودان: القضايا والصعوبات والتوقعات

11-Jan-2023

في الثامن من يناير 2023 بدأ في السودان تدشين المرحلة النهائية للعملية السياسية التي تم الاتفاق عليها عبر توقيع الاتفاق الإطاري بتاريخ 5 يناير وهي مرحلة تحدد لها مدة ثلاثة أسابيع يتم خلالها مناقشة القضايا الرئيسية التي أعلن عنها في الاتفاق الإطاري. 

قوبل الاتفاق بترحيب دولي وإقليمي واسع، وواجهته معارضة من بعض الجهات السياسية مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث والإسلاميين وبعض الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا في أكتوبر 2020.

أهم قضايا ومهام الانتقال

1/ الإصلاح الأمني والعسكري الذي يقود إلى جيش مهني وقومي واحد يحمي حدود الوطن والحكم المدني الديمقراطي وينأى بالجيش عن السياسة ويحظر مزاولة القوات المسلحة الأعمال الاستثمارية والتجارية ما عدا تلك التي تتعلق بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية تحت ولاية وزارة المالية، وينقي الجيش من أي وجود سياسي حزبي ويصلح جميع الأجهزة النظامية وتقتصر مهام جهاز المخابرات على جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها للجهات المختصة ولا تكون له سلطة اعتقال أو احتجاز ولا يحتفظ بمرافق لها.

2/  إطلاق عملية شاملة تحقق العدالة الانتقالية وتكشف الجرائم وتحاسب مرتكبيها وتنصف الضحايا وتبرئ الجراح وتضمن عدم الإفلات من العقاب وعدم تكرار الجرائم مرة أخرى.

3/ الإصلاح القانوني وإصلاح الأجهزة العدلية بما يحقق استقلاليتها ونزاهتها

4/  إيقاف التدهور الاقتصادي، والإصلاح الاقتصادي وفق منهج تنموي شامل ومستدام يعالج الأزمة المعيشية وينحاز للفقراء والمهمشين ويحقق ولاية وزارة المالية على المال العام ويعمل على محاربة كافة أنواع الفساد.

5/ إزالة تمكين نظام 30 يونيو 1989 وتفكيك مفاصله في كافة مؤسسات الدولة واسترداد الأموال والأصول المتحصل عليها بطرق غير مشروعة ومراجعة القرارات التي بموجبها تم إلغاء قرارات لجنة تفكيك النظام الثلاثين من يونيو.

6/ تنفيذ اتفاق سلام جوبا مع تقييمه وتقويمه بين السلطة التنفيذية والموقعين على الاتفاق السياسي وأطراف اتفاق سلام جوبا ومباشرة السلطة التنفيذية لمهام التفاوض والوصول لاتفاقات سلام نهائية مع بقية حركات الكفاح غير الموقعة.

7/ الإصلاح المؤسسي لكل مؤسسات الدولة بما فيها إصلاح الخدمة المدنية.

8/ إطلاق عملية شاملة لصناعة الدستور تحت إشراف مفوضية صناعة الدستور للحوار والاتفاق على الأسس والقضايا الدستورية وبمشاركة كل أقاليم السودان (وكالة الأناضول، 5 ديسمبر 2022).

الداعمون والرافضون للاتفاق الإطاري

وقع نحو أربعين حزبا ونقابات مهنية على الاتفاق، من بينها قوى الحرية والتغيير مجموعة (المجلس المركزي) ومن أبرزها حزب الأمة وحزب المؤتمر السوداني، وفصائل مسلحة مثل الجبهة الثورية وأحزاب سياسية ذات توجهات مختلفة.

بينما وقع عن المكون العسكري قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو، كان الفريق البرهان رئيس المجلس السادي الانتقالي قد أعلن بتاريخ 4 يوليو عن رغبة المكون العسكري  التنازل عن السلطة والابتعاد عن السياسة ، (  المعهد الأميركي للسلام،  7 يوليو 2022).

 وعارض الاتفاق   الجهات التالية :

1/ الكتلة الديمقراطية وتضم حركتا العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وجيش تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي، والحزب الاتحادي الأصل جناح جعفر الميرغني.

2/ حزب البعث العربي الاشتراكي.

3/ الحزب الشيوعي السوداني. 

4/ بعض لجان المقاومة. 

5/ الكتلة الوطنية التي تضم الحزب الجمهوري جناح حيدر الصافي.

6/ التنظيمات الإسلامية التي كانت تساند نظام الإنقاذ. 

أسباب الخلاف بين القوى السياسية

يمكن القول إن الأسباب الرئيسية للخلافات بين الكتلة الديمقراطية والمجلس المركزي هي :

1/ اختلافات حول توصيف ما حدث في 25 أكتوبر 2021، وهل هو انقلاب أو تصحيح للمسار.

2/ تمسك المجلس المركزي بعدم مشاركة من أسماهم قوى الانتقال التي لم تشارك في الثورة منذ بدايتها وكانت جزءا من نظام الإنقاذ.

3/ عدم قبول الكتلة الديمقراطية لمقترح دستور اللجنة التيسيرية لنقابة المحامين باعتبارها ليست الجهة المخولة لتقديم المقترح.

4/ قناعة الكثير من أعضاء مجموعة (المجلس المركزي)، أن كلا من حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان قد دعموا مع بعض عناصر النظام السابق انقلاب 25 أكتوبر 2021. 

القوى الدولية الداعمة للاتفاق الإطاري

رحبت كندا وفرنسا وألمانيا واليابان وهولندا والنرويج والمملكة العربية السعودية وأسبانيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، كأعضاء في مجموعة أصدقاء السودان، بالتوقيع على الاتفاق الإطاري من قبل تمثيل واسع للقوى السياسية والمكوّن العسكري، وقالت المجموعة إن هذا الاتفاق يحدّد  الهياكل اللازمة للعودة إلى انتقال مدنيّ القيادة نحو الديمقراطية والتزام الجيش بالخروج من السياسة.

ويقول كاميرون هدسون الخبير الأميركي بالقضايا الأفريقية، أن كلا من الرياض وأبو ظبي بذلتا الجهود للمساعدة في خروج السودان من الطريق المسدود الذي وصلت إليه الأطراف السودانية ، (مجلس الأطلنطي 11 أبريل 2022).

أشاد أصدقاء السودان بالموقّعين نظراً إلى الجهود والتسويات اللازمة للتوصل إلى هذا الاتفاق الأولي وحثّوا جميع أصحاب المصلحة السودانيين على مواصلة جهودهم لإبرام اتفاق سياسي نهائي وتشكيل حكومة ذات مصداقية بقيادة مدنية في أقرب وقت ممكن.

أثنى أصدقاء السودان على دور بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (اليونيتامس) والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد)، (الآلية الثلاثية") نظراً إلى جهودهم التيسيرية لتخطي الأزمة السياسية الراهنة في السودان. ودعوا الآلية الثلاثية إلى مواصلة دعم أصحاب المصلحة السودانيين في المرحلة التالية من المشاورات من خلال تعزيز مشاورات وحوار على نطاق واسع بين الأطراف لإرساء الأسس لاتفاق نهائي ومعالجة القضايا الحاسمة التي اتّفق الموقعون على الاتفاق السياسي على مواصلة مناقشتها: إصلاح قطاع الأمن، العدالة الانتقالية، اتفاق جوبا للسلام، لجنة التفكيك والشرق والاقتصاد. 

ذكّر أصدقاء السودان بأنّ نجاح الحوار السياسي الجاري هو رهين بخلق بيئة مواتية تشمل إطلاق سراح المعتقلون ودعم حرية التعبير واحترام الحق في التجمع السلمي الخالي من العنف، فضلاً عن مشاركة المرأة والشباب. وقد أكد أصدقاء السودان مجدداً التزامهم بدعم الانتقال السياسي وتحقيق تطلّعات الشعب السوداني في الحرية، والسلام، والعدالة، والازدهار. ويتطلّعون إلى استئناف التعاون والدعم الاستراتيجييّن عند تشكيل حكومة جديدة بقيادة مدنية (موقع دول الاتحاد الأوروبي في السودان، 8 ديسمبر 2022).

صرح لويس ميغل المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط لقناة (الحدث)  أنهم يدعمون التغيير الذي يجري في السودان ويأملون أن يؤدي إلى حكومة مدنية، وأنه يمكن أن يفتح باب التعاون مع السودان في المستقبل (لويس ميغل ، قناة الحدث ، 10 ديسمبر)، كما رحب الأمين العام للأمم المتحدة بتدشين المرحلة الانتقالي وكذلك  رحبت بها كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السودانية وجمهورية مصر العربية.

وقد رحبت بالاتفاق كل من المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية وجمهورية الصومال وليبيا. وبعد الزيارة التي قام بها رئيس المخابرات المصرية عباس كامل والمحادثات التي أجراها في الخرطوم بين الأطراف رفضت مجموعة (المجلس المركزي) المقترح المصري والدعوة التي تقدم بها لعقد لقاء  بين الطرفين في القاهرة باعتبار أن الدعوة جاءت متأخرة.

الصعوبات تواجه التي قد تواجه الاتفاق النهائي

هناك عدد من الملفات التي يمكن أن تعرقل الحوار الذي يدور في اللجان والورش التي تجري بقاعة الصادق قبل التوصل إلى اتفاق نهائي مثل:

1/ خلافات بين الأطراف الموقعة على الاتفاق الإطاري حول إصلاح الجيش والمؤسسات الأمنية ودرجة قبول تصور المدنيين لعملية الإصلاح الأمني والعسكري.

2/ رفض قضاة المحكمة العليا ما ورد في الاتفاق الإطاري حول الهيئة القضائية باعتباره تدخلاً في استقلالية القضاء. 

3/ مراجعة اتفاق جوبا الذي وقع مع الحركات المسلحة دون مشاركة حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان والتحذيرات التي صدرت منهما حول عدم المساس به. 

مناقشة وتحليل 

بدأ تدشين المرحلة  النهائية للعملية السياسية في ظل انقسامات بين القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري وقوى أخرى رافضة له، وقد فشلت كل الجهود التي قامت بها الاَلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية ( إيقاد)  والاتحاد الأفريقي ،  كذلك من اللجنة الرباعية التي تضم كلا من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ، في التقريب بين الطرفين كما فشلت اللقاءات غير الرسمية  التي قام بها  رئيس المجلس السيادي الانتقالي قبل أيام من تدشين المرحلة النهائية للتوصل إلى وفاق  بين الكتلة الديمقراطية ومجموعة المجلس المركزي.

كانت نقطة الخلاف الرئيسية أن  مجموعة المجلس المركزي أعلنت أنها  لا تمانع من أن تكون الحركات الموقعة على اتفاق جوبا 2020 ضمن الموقعين على الاتفاق الإطاري ، غير أن كلاً من حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان تمسكتا بموقفهما على أن يكون التوقيع من خلال الكتلة الديمقراطية التي تضم قوى أخرى تعتبرها مجموعة المجلس المركزي خارج قوى الثورة .

يبدو أن الصعوبة التي تواجه  المرحلة النهائية هي كيفية ضم  أكبر قدر من الموقعين على الاتفاق الإطاري وتوسعته بحيث يضم أكبر عدد من القوى السياسية ، وتعود الأسباب  إلى التباين الذي حدث بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي اختلفت  فيه المجموعتان حول توصيفه ، حيث اعتبرته مجموعة المجلس المركزي انقلابا عسكريا بينما نظرت إليه مجموعة الكتلة الديمقراطية ونداء أهل السودان  باعتباره تصحيحا لمسار ثورة ديسمبر 2018 ، وقد كان هذا التباين سبباً رئيسياً في تطاول الأزمة السياسية وفشل الاجتماع الذي نظمته الاَلية الثلاثية في يونيو 2022.

 مع مرور الوقت تعمقت الخلافات بعد تمسك كل طرف بموقفه بعدم قبول الاَخر. وتطورت الخلافات بين الطرفين الرئيسيين  بعد طرح الدستور الذي جاء عبر اللجنة التيسيرية لنقابة المحامين في سبتمبر 2022،  الذي دعمته دول الاتحاد  الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وكل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ، ومجموعة المجلس المركزي ، بينما رفضته الكتلة الديمقراطية ونداء السودان وبعض مكونات شرق السودان، بحجة أنها لم تشارك في إعداده وأن جهات خارجية شاركت فيه ، وعلى الرغم من بعض الملاحظات التي أدخلها المكون العسكري وقبوله بدستور المحامين لم يؤدي ذلك إلى تعديل في موقف الرافضين للاتفاق، وهو ما زاد الفجوة بين الطرفين حتى التوقيع على الاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر 2022 .

twitter icon threads icon 36