مقالات تحليلية

أحداث الجنينة.. مخاوف من انزلاق السودان نحو حرب أهلية

02-May-2023

القتال العنيف والدامي الذي يدور بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بمدينة  الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور منذ الأسبوع الماضي، وإن تزامن مع المعارك الضارية التي تدور رحاها بين القوتين في العاصمة الخرطوم، إلا أن أسبابه ودوافعه ليست حول النفوذ والسيطرة على السلطة فقط، ولذلك سرعان ما تحول إلى نزاع أهلي أُستخدمت فيه أسلحة ثقيلة أودت بحياة مئات الأشخاص، ودفعت الآلاف للجوء إلى دولة تشاد خوفاً من الانتقام الذي يتم في المدينة على أساس عرقي. 

وبالرغم من أن الجنينة شهدت صراعات دامية من قبل، فإنها لم تصل إلى هذا الدرك الأسفل من الانتهاكات، فغياب القوات النظامية أطلق يد مسلحي القبائل العربية البدوية التي غارت على أحياء المدينة الغربية والشرقية مطلقة النيران بصورة عشوائية مما أوقع عدداً كبيراً من القتلى، فيما اتهمت القبائل نفسها حكومة الولاية بأنها أججت الفتنة، وفتحت مخازن السلاح على مصرعيها للمواطنين من قبيلة المساليت وطلبت منهم التسلح لضربها، أما النشطاء بالمدينة فقد وصفوا ما يجري بأنه إبادة جماعية وتطهير عرقي.

من الواضح تماماً أن الحرب الحالية التي تدور بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وراء التهاب الصراع في الجنينة، لكن الأزمة المكتومة بين القبائل الإفريقية والعربية التي تسكن المنطقة ظلت على الدوام هي مستصغر الشرر الذي يشعل النيران في المدينة.

إن الصراع بين قبيلة المساليت الإفريقية والقبائل العربية في الجنينة ليس وليد اليوم، وإنما كانت بداياته في عام 1999، نتيجة للعدوان المستمر لتجمع القبائل العربية ضد القبائل الإفريقية (الفور، الزغاوة، المساليت).

وعلى الرغم من التحذيرات التي أرسلت لحكومة الإنقاذ التي ترأسها عمر البشير (وقتها)، إلا أنها تمادت في دعم القبائل العربية ما جعل القبائل الإفريقية تصطف وتأتلف معلنة تمردها على الحكومة عبر حركة تحرير السودان.

ويعضد الباحث في الشؤون الدارفورية أمين محمود هذه الفرضية وقد أشار في كتابه (سياحة في دارفور) إلى أن من الأسباب الرئيسية لاشتعال النار في هشيم العلاقات المتوترة بين القبائل في دارفور، قيام حكومة البشير (1989-2019) بتنصيب بعض الزعماء الذين لا تتوفر لهم كل أركان السلطة المتمثلة في (الشعب - الأرض) فهم - بحسب تعبيره- (أمراء بلا أطيان)، يزاحمون السكان الأصليين في مناطقهم. وتابع أمين من هنا بدأ النزاع حول الأرض خاصة وأن الحدود الغربية مفتوحة، إذ يستنفر الأمراء الجدد مواطنيهم من خارج السودان ليعززوا نفوذهم، لاسيما وأنهم مدعومون من الحكومة، أما السكان الأصليون فيتمسكون بأرضهم التي هي بالنسبة لهم محدد هوية ومستودع موارد، ولعل هذا ما يفسر تهديد قبيلة المساليت التي تعد ولاية غرب دارفور معقلها الرئيس، بتقرير مصيرها وفقاً لاتفاقية تعود للعام 1919، حال لم تفرض الحكومة التدابير اللازمة لمنع تجدد العنف، وأن يضع مجلس الأمن مناطقها تحت الحماية الدولية.

المجموعات العربية في غرب دارفور، لديها رؤية مغايرة وترى أن الصراع بين العرب والمساليت تاريخه يمتد منذ عام 1994 وإلى الآن.. وظلت القبائل العربية ترفض معاملة المساليت لها بدونية، وتقول إنها تقيم في الجنينة منذ أكثر من 150 عاماً.

 وسخر الأمير مسار عبد الرحمن من تجريدهم من سودانيتهم وإشاعة أنهم ليسو بسكان أصليين وقال بتهكم في مؤتمر صحافي: (إن أمريكا تمنح الجنسية في 5 سنوات وأبناء المساليت اللذين يذكون الفتنة معظمهم مقيم فيها فكيف نصنف نحن في خانة السكان غير الأصليين؟).

 وتستنكر القبائل العربية أيضاً وصفها بـ"المستوطنين الجدد"، وتشير إلى أن معظم القبائل التي تعيش في الجنينة مشتركة ومتداخلة، ولديها امتدادات في دولة تشاد المجاورة لولاية غرب دارفور، وتزعم بأن المساليت اللذين يطلقون هذه النعوت أغلبهم في تشاد، ولديهم مَلكين هناك وأراضيهم في تشاد تصل إلى ضعف مساحة سلطنتهم في السودان، وتمتد من مناطق "حجر حمرا"، و"حجر حديد" و"سوار وقع"، و"فرشنا" حتى مدينة أبشي.

في المقابل ظلت قبيلة المساليت ترفع لافتة المطالبة بتقرير مصيرها وفقاً لاتفاقية أبرمت 1919 بينها من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، تنازلت بموجبها عن منطقة (أدري) التي تقع حالياً في تشاد لصالح الحكومة الفرنسية إضافة إلى انضمام دار مساليت لحكومة السودان الإنجليزية (وقتها) مع احتفاظهم بحق تقرير المصير.

ووفقاً للباحث في تاريخ سلطنة دار مساليت، محمد أحمد آدم علي، فإن معاهدة قلاني التي أبرمت بين سلطنة دار مساليت والحكومتين الإنجليزية والفرنسية في 19 سبتمبر 1919 وقعت بعد حرب ضارية بين سلطنة دار مساليت والحكومة الفرنسية في طريق تمددها نحو الشرق بعد الاستيلاء على سلطنة "ودّاي" حيث أرسل السلطان بحر الدين زعيم المساليت وفداً بخطاب إلى القيادة الفرنسية طالباً عقد اجتماع معهم من أجل توقيع معاهدة صلح.

وتضمنت مقترحات السلطان التي حملها الوفد للفرنسيين استعداده للتنازل عن منطقة (أدري) التي احتلها الفرنسيون، وفي الوقت نفسه أرسل سلطان المساليت وفداً آخر إلى القيادة الإنجليزية بالفاشر، برئاسة أبوكجام والملك هارون، ملك كرومة.

وقابل الوفد القائد البريطاني (كلي باشا) واقترح بحر الدين على الحكومة الإنجليزية عقد صلح مع سلطنة دار مساليت شريطة أن يحتفظ بسلطنته وكيانه الإداري، وأوضح أنه مستعد بقبول الإشراف البريطاني على سلطنته، مطالباً بأن يسرع القائد البريطاني في الوصول إلى الجنينة.

وصل الوفد الإنجليزي لدار مساليت ووصل "كرينك"، كما وصل الوفد الفرنسي إلى (أدري)، واجتمعت الوفود الثلاثة في 19 سبتمبر 1919 في منطقة (قلاني) التي تقع جنوب منطقة (أدري).

وكانت مطالب السلطان بحر الدين، تتمثل في الانضمام لحكومة السودان على أن تكون لحكومة السودان إدارة غير مباشرة على سلطنة دار مساليت، وأن يحتفظ السلطان بإدارته الأهلية في سلطنته وحكمه الذاتي، كما أكد استعداده للتنازل عن الإشراف الإداري لمنطقة (أدري) التي احتلها الفرنسيون على أن يحتفظ بالإدارة غير المباشرة لها ويكون له مندوب فيها، بالإضافة إلى السماح لسكان المنطقة من المساليت بحق الاختيار في مكوثهم فيها أو الارتحال منها أو الإنضمام إليها، دون التعرض لهم من قبل السلطات الفرنسية. ووافق باسم حكومة السودان المستر ديفيس رئيس الوفد الإنجليزي وكذلك الكولونيل إريك رئيس الوفد الفرنسي.

وصادق هارولد مكمايكل الذي أصبح السكرتير الإداري لحكومة السودان الإنجليزية، على البند الذي يقضي بإعطاء سلطنة المساليت حق الاستقلال الذاتي عن حكومة السودان. كما وقعت إنجلترا معاهدة منفردة مع فرنسا في نفس الشهر حددت فيها مناطق نفوذ كل منهما في المنطقة.

من جانب آخر بعد التوقيع على اتفاق سلام جوبا بين الحكومة والحركات المسلحة الدارفوية في 2020 تفاقمت الأزمة بين المزارعين والرعاة، فمعظم المزارعين الذين ينتمون إلى القبائل الإفريقية تركوا أراضيهم وقراهم ونزحوا، وجاء العرب الرعاة واستقروا في أماكنهم، وعندما عاد أصحاب الأرض وجدوا موانع ومقاومة في مناطق مختلفة، وحدث قتل واعتداءات، الأمر الذي ترك غبناً عند المزارعين.. وكان بإمكان السلطات حل مثل هذه المشكلات لكنها لم تولِها الاهتمام الكافي، ونتيجة لذلك تطورت النزاعات الصغيرة بسبب الاحتقان إلى صراعات كبيرة، وأصبحت أي جريمة فردية تنسب للقبيلة بأكملها، ويؤخذ القانون باليد، ولا يذهب الناس للمحكمة.

الصراع على الموارد التي تزخر بها المنطقة، جعل هناك قناعة راسخة بأن القبائل العربية تسعى إلى تغيير ديمغرافية المنطقة من خلال طرد السكان الأصليين واستبدالهم بأبناء عمومة ينحدرون من غرب إفريقيا، خاصة من دول النيجر ومالي وتشاد، يرتبط الصراع أيضاً باكتشاف مناجم الذهب واليورانيوم في جبل مون، فضلاً عن تحول المنطقة إلى معبر للتجارة وتهريب البضائع مع دول الجوار.

التخوف من إنزلاق السودان نحو الحرب الأهلية المدمرة ما لم يتوقف القتال فوراً بين الجيش والدعم السريع، أشارت إليه مجموعة الأزمات الدولية. ووجهت المجموعة نداءً للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنظمة (إيغاد) بتنسيق الشراكة بينهم للتوسط بين الجانبين حتى لا تنتهي جهودهم بأهداف متعارضة، كما نصحت الجهات الخارجية والسودانية الداخلية ممن تربطها علاقات مع طرفي الصراع أن تستغل علاقاتها في مطالبتهما بوقف إطلاق النار.

الحرب الأهلية في غرب دارفور لها إرتباط وثيق بما يجري في الخرطوم فظروف الهشاشة الاستثنائية التي ظل يعيشها السودان لعقود من ضعف اقتصادي وانفلات أمني، تفتح الباب على مصرعيه  لتطور الحرب الحالية من عنف سياسي بين طرفين إلى حرب أهلية مفتوحة إذا طال أمدها، فتركة خراب النسيج الأهلي الذي أفسده نظام الإخوان المسلمين بإحياء النعرات القَبلية مدة 30 عاماً، ستكون اليوم حاضرة وجاهزة لتسعير هذه الحرب، وتصعيدها إلى حرب أهلية بلا أفق، وما حدث في الجنينة يمكن أن يحدث في بقية ولايات دارفور وفي كردفان والنيل الأزرق ما لم يضغط المجتمع الدولي بقوة من أجل الإسراع لاحتواء الحرب قبل اتساع رقعتها..

  


twitter icon threads icon 20