مقالات تحليلية

حرب السودان والبحث عن أسواق جديدة للمبادرات

04-Jul-2023

قبل عطلة عيد الأضحى،  أعلن قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو عن هُدنة ووقف لإطلاق النار من طرف واحد ليومين، كذلك خاطب رئيس المجلس السيادي والقائد العام لقوات الشعب المسلحة الفريق أول عبدالفتاح البرهان الشعب السوداني بمناسبة عيد الأضحية معلناً هُدنة لمدة 24 ساعة حتى يتمكن المواطنون من أداء صلاة العيد ويتبادلون التهاني والأمنيات. 

لكن لم يلتزم الطرفان بالهُدنة التي إختطفتها نيران المدافع والقتال المستعر الذي حول الفرحة بالعيد إلى حزن ودموع ودماء، وحتى لحظة كتابة هذه المقالة ما زالت المعارك محتدمة دون أفق للحل بعد فشل المبادرات المطروحة. 

في خضم هذه الملهاة والحرب العبثية، تفاجأ السودانيون بزيارة نائب رئيس مجلس السيادة في السودان مالك عقار لموسكو الخميس 29 يونيو 2023، ليجري محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بحثت الأوضاع في السودان وما يمكن أن تقدمه موسكو لتهدئة القتال.  في اللقاء الرسمي قال لافروف إن روسيا تُراقب بقلق الوضع الراهن في السودان وتحرص على المساعدة في تحقيق الاستقرار وإن روسيا تراقب الوضع في السودان بقلق وتهتم بالمساعدة في خلق الظروف الملائمة للانتقال إلى حالة استقرار. وقال عقار في مؤتمر صحفي بموسكو إن وفد السودان طلب مساعدة روسيا في إنهاء الحرب السودانية.

وبالرغم من محاولات عقار التبرير للزيارة بأنها جاءت في إطار العلاقات الثنائية وتطويرها بين البلدين، ومساهمة موسكو في حل الأزمة السودانية بوقف الحرب ، يرى مراقبون أن هذه الزيارة جاءت في سياق تعدد المبادرات التي من شأنها إضافة مزيد من التعقيدات للأزمة السودانية، واستمرار إدخال البلاد في حلبة الصراع الدولي بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية ، خاصة وأن الأولى لها استثمارات في التعدين بالسودان، ومن المؤكد ستواصل الدفاع عنها، فضلاً عن مصلحتها في قيام قاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر لن تسمح بها أميركا، مما يجعل السودان في مرمي نيران الصراع الدولي لنهب الموارد بين أمريكا وروسيا.

دوافع ذاتية وتعنت الإخوان:

   لا يحتاج الباحث في الأزمة السودانية لسبر أغوار ليصل إلى أن هذه الحرب نتيجتها ومحصلتها النهائية تدمير السودان. إذا بماذا يمكن تفسير عدم رغبة قادة الجيش والدعم السريع في الوصول لحل يوقف الحرب.

 فمن خلال البيانات والتصريحات التي يصدرها ويدلي بها قادة الطرفين عقب كل هُدنة، تبدو العقلية المتحكمة في سير العمليات الحربية من الطرفين راغبة في استمرار المعارك وإطالة أمد القتال. والدافع الذي يحرك هذه العقلية ذاتي بامتياز، فعقيرة الطموح ترتفع عند كل طرف بإمكانية حسم المعركة عسكرياً وتحقيق الانتصار الماحق بأعجل ما تيسر.

قيادات الجيش ترى أنها حصرت المعركة في محيط العاصمة بمدنها الثلاث، واستطاعت في فترة وجيزة إحكام السيطرة على معظم الولايات ودك معسكرات قوات الدعم السريع، كما أنها تحظى بتأييد وحشد شعبي يوفر لها الغطاء السياسي والدعم اللوجستي، كما لديها المقدرة في استنفار الشعب لصالح معركتها حيث دعا البرهان في خطابه الأخير الشباب لحمل السلاح بالتالي تستطيع الصمود لأطول فترة زمنية ممكنة.

كل هذه الأمور بحسب نظر الخبراء الموالين للجيش، تمثل فرصاً لفرض أجندته ما يجعله قادراً على ترتيب البيت الداخلي السوداني بعد حسم معركة الخرطوم وفقاً لأهدافه ومطامع البرهان بالانفراد بالحكم، فضلاً عن أن الدعم الروسي والصيني في المحافل الدولية سيكون حاضراً ورهن الإشارة ما يعزز صمود الدولة في وجه أي محاولات لتغييرها.

   نتيجة لكل هذه المعطيات يصر قادة الجيش على المناورة بقبول الوساطات لكسب ود المجتمع الدولي شكلياً، ومن ثم السير في الاتجاه المعاكس للمقترحات التي لا تتماشى مع هدفهم ومبتغاهم.

   بالنسبة لقوات الدعم السريع فهي لا تختلف عن الجيش كثيراً من حيث طموحها في حسم المعركة بالضربة القاضية وإن طال السفر، حيث ترى قيادتها أنها تمكنت من السيطرة على مناطق استراتيجية في وسط الخرطوم تمثل رمزاً للسيادة كالقصر الجمهوري والقيادة العامة، فضلاً عن سيطرتها على 70% من العاصمة الخرطوم.

 وعلى الرغم من أن الدعم السريع يدعي أنه يقاتل من أجل الديمقراطية والتحول المدني إلا أن هدف قيادته هو حكم السودان، لذلك فهي تسعى على تغيير قيادة الجيش. وبتحقيق هذا التغيير يكون حميدتي قد حقق أهدافه بأن تدمج قواته وفقاً لشروطه ومقترحاته لآجال الدمج، ويكسب وفقاً لذلك تحسين صورته وسط المجتمع الدولي بأنه صاحب الفضل في عودة الأمور إلى نصابها، وترتيب الأولويات بعيداً عن شوكة الإسلاميين داخل أروقة المؤسسة العسكرية باعتبارهم العقبة الكؤود والمعرقل الأساسي للعملية السياسية التي تنقل السودان إلى رحاب الدولة المدنية.

  في المقابل و منذ اندلاع الحرب ظل الإتهام يوجه للإخوان أنصار النظام البائد الذي أسقط بثورة شعبية 2019) بأنهم هم من أشعل نيران الحرب، وكانوا يظنون أنها ستحسم في ساعات، لذلك تجدهم مصرون على استمرارها خاصة وأن قوات الدعم السريع قامت باعتقال قيادات إخوانية أقرت بضلوع الحركة الإسلامية في المخطط.

  لم يكتف الإخوان بدعمهم للجيش إعلامياً، بل يتسامع الناس أنهم في كل مرة يخرقون الهُدنة عن طريق تحريك عناصرهم بسلاح الطيران والمدفعية حتى يضعوا البرهان أمام الأمر الواقع.  وبحسب مراقبين زرعت الحركة الإسلامية السودانية الكثيرين من عناصرها وسط الجيش، ما جعلها قادرة على تحريك وجهة العمليات العسكرية، وقد ثبت بأدلة قاطعة مشاركتهم في الحرب، وذلك بعد مقتل عدد من قياداتهم الشبابية بسلاح المدرعات، فقد نعى رئيسهم علي كرتي القتيل محمد الفضل الذي عرف عنه بأنه من الذين قاتلوا في صفوف داعش.

الرؤية الروسية:

 تقوم فرضية موسكو لحل الأزمة السودانية بمنأى عن الرؤية الأمريكية والأوروبية وعبرت عنها نائبة المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، أنا يستجنيفا، خلال إجتماع مجلس الأمن الدولي لبحث الوضع في السودان في 25 أبريل الماضي بإشارتها إلى أن دولاً عدة سرعت نقل السلطة إلى القوى المدنية في السودان، وأصدرت قرارات لم تنل شعبية بين المجتمع السوداني".

أضافت يستجنيفا أن "هذه الدول روّجت للإتفاق الإطاري الذي وقع في الخامس من ديسمبر 2022، على رغم أنه كان محل خلاف كبير، وربطت المساعدات الدولية بنقل السلطة إلى حكومة مدنية، مما أوقع الاستقرار الهش في البلاد ضحية لهذا النوع من الديمقراطية من خلال الضغط والابتزاز".

جاء هذا الاتهام ضمن تصور عام لدى موسكو بحسب وزير خارجيتها سيرغي لافروف، أن الولايات المتحدة تحاول تدمير القمة (الروسية- الأفريقية) الثانية المزمع عقدها في سانت بطرسبرغ، نهاية يوليو الحالي، بغرض عزل روسيا. وفي إطار التدخل في الشأن السوداني، ترجع موسكو اتهام واشنطن لها، بأنه ضمن محاولات تدخلها في التعاون الروسي مع الدول الأفريقية.


خلاصات:

 في 28 يونيو 2023 وخلال تبادل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والبرهان التهاني بحلول عيد الأضحى، تحدث أردوغان عن جاهزية الحكومة التركية لمواصلة جهودها في تقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوداني. وقد استغل البرهان فرصة المكالمة الهاتفية وتحدث على قبول السودان لأي مبادرة تركية لإيقاف الحرب وإحلال السلام في السودان. 

ويرى مراقبون أن تعدد المنابر الذي تدعو له سلطة البرهان بدعوتها لروسيا وتركيا، اضافة لمنبر الاتحاد الافريقي والايغاد، هدفه تكوين منابر موازية لمنبر جدة الذي ترعاه السعودية وأميركا، وذلك للضغط على أميركا، مما يعيد السودان إلى تجربة نظام الإخوان في إطالة أمد الأزمة بعد انقلاب الاسلاميين في 30 يونيو 1989، ورفضهم الاتفاق الذي توصلت له الحركة السياسية في أديس أبابا نوفمبر 1988، الذي يطلق عليه (اتفاق الميرغني - قرنق) وكان مأمولا منه وقف الحرب بين الجيش والحركة الشعبية في جنوب السودان. 

إن توجه القيادة السودانية الحالية نحو تركيا وروسيا يذكر القوى الغربية بسعي الدولتين الدائم لتمديد نفوذهما في المنطقة، فتركيا تضع عينها على ميناء سواكن، وروسيا ما زالت تطمح في إقامة قاعدتها الحربية بالبحر الأحمر وعينها على الموارد المعدنية وعلى راسها الذهب. 

لذلك يتوقع مراقبون أن تضغط الولايات المتحدة على الطرفين للوصول لوقف إطلاق نار عن طريق منبر (جدة)، خاصة وأن الطرفين ما زلا يتواجدان في السعودية. 


twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 137