مقالات تحليلية

خبراء: جيوش العالم من بين أكبر مصادر الانبعاثات الملوثة للمناخ

12-Jul-2023

يقول مختصون إن جيوش العالم من بين أكبر مصادر الانبعاثات الملوثة للمناخ، حيث تشير التقديرات إلى أن جيوش العالم مجتمعة، والصناعات التي توفر معداتها، تنتج 6٪ من مجمل الانبعاثات العالمية، وفقا لمؤسسة علماء من أجل المسؤولية العالمية (SGR) البريطانية. تقدير مستوى الانبعاثات الناتجة عن الجيوش هي مهمة صعبة للغاية، إذ لا يطلب من الحكومات تقديم بيانات كاملة عن غازات الدفيئة التي تنبعث من القوات المسلحة، بسبب ما يصفه الخبراء بأنه "ثغرة كبيرة" في اتفاقية باريس. وفي السابق، بموجب بروتوكول كيوتو، تم منح الجيوش إعفاء تلقائيا من أهداف مستويات الانبعاثات الكربونية، بعد ضغوط من قبل واشنطن.

ويرى متابعون أن الوضع الحالي، الذي لا يلزم الدول بإدراج جيوشها في التزاماتها بخفض انبعاثات الكربون، يقوض الجهود المبذولة لمعالجة أزمة المناخ. وقال المدير التنفيذي لـ (SGR) الدكتور ستيوارت باركنسون إن "انبعاثات الكربون العسكرية مهمة، لأنها تمثل ثغرة كبيرة محتملة في أهداف باريس - خاصة بالنسبة للإنفاق العسكري المرتفع لدول مثل الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة وروسيا"، ويضيف: "مع الارتفاع السريع في الإنفاق العسكري، ستتوسع هذه الثغرة في وقت تنخفض فيه الانبعاثات الأخرى.. إن الجدية في كيفية تعامل تلك الدول مع هذه القضية ستؤثر على العمل في قطاعات أخرى وفي دول أخرى". 

ووفق وزارة الدفاع البريطانية يصل إجمالي البصمة الكربونية السنوية للجيش البريطاني إلى  3 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO2e)، لكن (SGR) تقدر الرقم الحقيقي بـ 11 مليون طن. وأورد تقرير صادر عن (SGR) أن البصمة الكربونية لجيوش الاتحاد الأوروبي في عام 2019 تبلغ إجمالي 24.8 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وثلت هذا الرقم مصدره فرنسا. في الوقت نفسه، تقول الحكومة الأميركية إن قواتها المسلحة تنبعث منها 56 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، غير أن (SGR) تقدر أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير عند 205 مليون طن، (الغارديان، 11 نوفمبر 2021). 

وفي 8 يونيو 2023، نشرت منصة (Responsible Statecraft) التابعة لمعهد كوينسي الأميركي مقالا للباحثة كيلا تيري، حول حجم البصمة الكربونية للجيش الأميركي بالتحديد وتداعياته على الدول الأفريقية الأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ، التي تفاقم من مشاكلها الأساسية من انعدام الأمن الغذائي والصراعات العرقية وغير ذلك. 

مع مرور الوقت تزداد خطورة تداعيات تغير المناخ الناتج عن النشاطات البشرية، مثل ارتفاع مستويات سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة وارتفاع درجات الحرارة. وكما أشارت نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس ذات مرة في إشارة خفية إلى الصين، فإن "انبعاثات دولة واحدة من الممكن أن تهدد استقرار الأرض بالكامل". ومن المفارقات هنا أن الولايات المتحدة، وخاصة وزارة دفاعها، هي التي تلعب ممارساتها كثيفة الكربون دورا بارزا في الانبعاثات العالمية وفق تيري. 

إن تغير المناخ يتجاوز الحدود الوطنية ويمكن أن تكون له عواقب بعيدة المدى، وفي حين أن آثار تغير المناخ في العالم المتقدم ستكون تدريجية، إلا أنها ستكون فورية في العديد من الدول النامية حيث يعمل تغير المناخ بمثابة "مضاعف للتهديد" - مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل الأساسية في هذه الدول مع زيادة انعدام الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. تتضح هذه العواقب بالخصوص في أفريقيا، حيث تعاني العديد من المناطق بالفعل من ضغوط شديدة بسبب الفقر، ونقص المياه، والنمو السكاني، والصراع العرقي الديني، واختلال وظائف الحكم.  

تقول إن الولايات المتحدة، باعتبارها واحدة من أكبر الدول المسببة للانبعاثات في العالم، تتحمل مسؤولية معالجة هذه القضايا المتشابكة، فلديها مصلحة أمنية قوية في القيام بذلك. وعلى الرغم من انشغال الأوساط السياسية بتنافس القوى العظمى مع الحرب الروسية الأوكرانية والتنافس المتزايد مع الصين، لم تختف المخاوف المحيطة بتغير المناخ ومخاطرها على هذه الدول الهشة، التي تشمل النزوح الجماعي والأوبئة والتطرف العنيف، كما هو واضح بالفعل في منطقة الساحل الإفريقي والبحيرات العظمى. 


الجيوش وتغير المناخ

ألزمت الولايات المتحدة نفسها بالعديد من اتفاقيات المناخ الدولية بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاقية باريس، والتي تهدف بشكل جذري إلى الحد من انبعاثات غازات الدفيئة من أجل الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى أقل من 1.5 درجة مئوية. على الصعيد المحلي، هناك أيضا عدد من الأوامر التنفيذية التي تتناول ملفات مثل الحرارة العالية والرياح البحرية والعدالة البيئية وقطاعات الطاقة النظيفة. وعلى الرغم من هذه الالتزامات، ساهمت الولايات المتحدة، وتحديدا البنتاغون، بشكل تراكمي بأكبر قدر من غازات الدفيئة. في الواقع، فإن البصمة الكربونية لوزارة الدفاع الأميركية تعادل ما تنتجه 140 دولة مجتمعة. 

لقد زادت عمليات البنتاغون، التي تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري، في ضوء التهديدات المتصورة للمصالح الأمنية الأمريكية في الخارج. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب بناء وتشغيل وصيانة البنية التحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة في وزارة الدفاع، مثل مرافق التدريب والمراكز اللوجستية والقواعد، موارد ضخمة - والتي غالبا ما تأتي على حساب الأراضي المحيطة التي أزيلت منها الغابات.

أضف إلى ذلك أن البنتاغون لا يبلغ علنا أو بانتظام عن مستويات انبعاثات غازات الدفيئة الإجمالية الناتجة عن نشاطاته، بل تعتمد التقديرات على وزارة الطاقة الأميركية، التي كشفت أن وزارة الدفاع، أنتجت ما معدله 59 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون في عام 2017. علاوة على ذلك، تشمل القطاعات الأميركية الخاصة بإنتاج وتخزين المواد الدفاعية أكثر من 560 ألف منشأة مع أكثر من 275 ألف مبنى في 800 قاعدة تقع على 27 مليون فدان من الأراضي في الولايات المتحدة وفي جميع أنحاء العالم.

في يناير 2021، قال وزير الدفاع لويد أوستن إن وزارة الدفاع "ستتخذ على الفور إجراءات سياسية مناسبة لإعطاء الأولوية لاعتبارات تغير المناخ في أنشطتنا ... لأنها قضية أمن قومي". مع ذلك، قد يجادل الكثيرون بأن البنتاغون ومساهمته في تغير المناخ هي قضية أمن عالمي أيضا، لأنها تساهم في انعدام الأمن في مناطق محورية مختلفة من العالم. 

تهدد الحرب الروسية الأوكرانية البيئة العالمية من خلال إطلاق انبعاثات الذخيرة على نطاق واسع في البيئة مما يؤدي إلى مخاطر صحية. يطلق تصنيع الذخائر المحتوية على الرصاص تركيبات غازات خطرة ومواد كيميائية، بما في ذلك انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يعيق جهود التعامل مع الأزمات المناخية. حلل بحث نشرته منصة فرونتيرز، 28 فبراير 2023، الآثار البيئية العالمية لثلاثة عوامل: واردات الأسلحة الأوكرانية، والقوى العاملة العسكرية الأوكرانية، والإنفاق العسكري الروسي. وتوفر نتائج هذا التحليل مصداقية لفرضية انبعاثات الذخيرة من خلال إظهار وجود علاقة إيجابية بين النشاط العسكري وانبعاثات الكربون العالمية. ووفقا للتوقعات، فإن مشتريات الأسلحة الأوكرانية ستتسبب في مستوى مرتفع لانبعاثات الكربون، تليها النفقات العسكرية الروسية.


بالنسبة للصين، لا تتوفر معلومات كافية عن ما يخلف الجيش الصيني من مخلفات بيئة. وتذكر بعض التقديرات أن أكثر من 30% من المناطق الأكثر عرضة للارتفاع الشديد في منسوب المياه الساحلية تقع في الصين، التي تمتلك أكثر من 11,185 ميلا من الساحل وأكثر من 6,700 جزيرة. علاوة على ذلك، تقع مراكز الصين الاقتصادية الرئيسية في الغالب على طول ساحلها الشرقي ووديان الأنهار التي تتدفق إليها. وتشير الدراسات إلى أن ارتفاع منسوب مياه البحار سيؤدي إلى تشريد ما لا يقل عن 30 مليون شخص في الصين بحلول عام 2050، كما سيؤدي ارتفاع منسوب مياه البحار إلى الإضرار بمنشآت وقوات جيش التحرير الشعبي. وقد شهدت قاعدتا هاينان وجيانغسو الساحليتان بالفعل أسرع ارتفاع في مستوى سطح البحر مقارنة بالمواقع الأخرى، وفقا لتقرير صادر عن وزارة الموارد الطبيعية الصينية، (Defense One، 18 يناير 2022).


القيام بأكثر من مجرد "تخضير" الجيش 

بعد الانتقادات الموجهة للولايات المتحدة بخصوص فشلها في الارتقاء إلى مستوى مهمتها العالمية القيادية، بدأت أصوات داخل واشنطن تدعو للحد من انبعاثات الجيش الأميركي، والتي تنعكس في قرار مجلس النواب 767، الذي اقترحته النائبة باربرا لي (ديمقراطية - كاليفورنيا). مع ذلك، فإن الحد من الانبعاثات الكربونية يتطلب إجراءات حازمة على مدى فترة طويلة من الزمن. وبينما خفضت وزارة الدفاع استهلاكها للوقود الأحفوري باستخدام الطاقة المتجددة (مثل المركبات الكهربائية والشمسية)، ينظر إلى هذه الجهود على أنها مجرد "تخضير" للجيش (أي جهود شكلية)، لأنها لا تعالج سوى جزء بسيط من انبعاثات الولايات المتحدة. 

ويتطلب الوصول إلى قوات عسكرية تعتمد على الطاقة المستدامة تأسيس استراتيجية خفض انبعاثات واضحة تتوافق مع اتفاقية باريس، تضع حدا صارما لانبعاثات وزارة الدفاع. الخيار الشائع بين النشطاء البيئيين والأكاديميين هو ببساطة تقليص حجم الجيش الأميركي، إذ لا يمكن للجيش الحفاظ على وجوده العالمي كما هو الآن وأن يصبح محايدا للكربون في نفس الوقت. 

إن الالتزامات المناخية الدولية القائمة غير كافية لمواجهة الارتفاع المتسارع في درجة حرارة الكوكب. وعلى الرغم من وجود شكوك حول قدرة العالم على تحقيق الأهداف المتعلقة بتغير المناخ، فإن ما هو مؤكد هو أن حجم وطبيعة وزارة الدفاع الأميركية يساهمان في تغير المناخ ويفرضان تحديات مستمرة للبلدان في جميع أنحاء العالم.


twitter icon threads icon 271