مقالات تحليلية

حزب العمال البريطاني.. وعود وخطط ما بعد الفوز

08-Jul-2024

حقق حزب العمال البريطاني انتصاراً ساحقاً في الانتخابات البرلمانية البريطانية، منهياً 14 عاماً من حكم المحافظين بوصوله إلى 326 مقعداً في مجلس العموم البريطاني هي المطلوبة للفوز. يأتي ذلك بعد النتائج القوية التي حققها حزب العمال في الانتخابات المحلية التي جرت في بريطانيا في الثاني من مايو 2024. وحظي الحزب بالسيطرة على عدة مجالس في إنجلترا لأول مرة منذ عقود، الأمر الذي يعد من أكبر هزائم حزب المحافظين على الإطلاق. وربما كان التحول الذي طرأ على حظوظ حزب العمال السياسية بسبب تبنيه فلسفة رومانسية خاصة تجاه عالم الأعمال، في وقت يواجه فيه الاقتصاد البريطاني تحدياً صعباً بسبب الحرب في أوكرانيا وغزة.

و"العمال" هو حزب سياسي تأسس عام 1900 من الحركة النقابية والأحزاب الاشتراكية، وشكل تحالفاً مع الحزب التعاوني عام 1927. وكان في جميع الانتخابات العامة منذ عام 1922، إما الحزب الحاكم أو المعارض الرسمي. وقد تولى ستة من أعضاء الحزب منصب رئيس الوزراء، وثلاثة عشر منه تولوا وزارة عمالية. وخلال التسعينات، أخذ توني بلير حزب العمال إلى يسار الوسط كجزء من مشروع حزب العمال الجديد، فتولى رئاسة الحكومة منذ عام 1997 وحتى عام 2007، ثم خلفه غوردون براون إلى عام 2010. وأصبح منذ ذلك الحين ثاني أكبر حزب سياسي في المملكة المتحدة، من حيث عدد الأصوات والمقاعد في مجلس العموم، ليمثّل المعارضة الرسمية في البرلمان. وفي عام 2024، أعاد كير ستارمر الحزب إلى المركز من جديد.

رؤية حزب العمال لمستقبل بريطانيا

روج الحزب لرؤيته من خلال موقعه الرسمي وتصريحات مسؤوليه، والتي تتمثل في أن الانتخابات التي جرت هي خيار بين حزب محافظ ضعيف ومنقسم خذل الشعب البريطاني بعد 14 عاماً من السلطة، وحزب العمال بزعامة كير ستارمر الذي عاد لخدمة الطبقة العاملة وتغيير بريطانيا. يرى الحزب أن الخدمات العامة انهارت في ظل حكم المحافظين، كما أثقلت معدلات الرهن العقاري المرتفعة كاهل الأسر، وأفسدت السلوكياتُ المعادية للمجتمع شوارعَ بريطانيا. وأن بقاءهم في السلطة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى السياسية.

خطة حزب العمال طويلة الأجل تتضمن خمس مهمات لتغيير بريطانيا، تمثل تحديات أساسية أمامه، وهي: إعادة بناء بريطانيا من جديد، وتشغيل الطاقة البريطانية العظمى، وإعادة هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى الوقوف على قدميها، واستعادة رونق الشوارع. وحدد ستارمر الخطوات الأولى للتغيير، وتتمثل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال قواعد إنفاق صارمة، حتى تتمكن بريطانيا من تنمية اقتصادها، وإبقاء الضرائب والتضخم والرهون العقارية منخفضة قدر الإمكان، وخفض أوقات انتظار هيئة الخدمات الصحية. ووعد بتمويل ذلك من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد التهرب الضريبي، وإطلاق قيادة جديدة لأمن الحدود، ودعم سلطات مكافحة الإرهاب لسحق العصابات الإجرامية العابرة للحدود. كما وعد بإنشاء شركة بريطانية حكومية للطاقة النظيفة، بهدف خفض الفواتير إلى الأبد، يتم تمويلها من خلال فرض ضريبة على شركات النفط والغاز العملاقة.

كما وعد ستارمر باتخاذ إجراءات صارمة ضد السلوك المعادي للمجتمع، مع زيادة رواتب شرطة الأحياء، وفرض عقوبات على المخالفات، وإنشاء شبكة من مراكز الشباب. فضلاً عن توظيف 6500 معلم في المواد الرئيسية لإعداد الأطفال، يتم دفع تكاليفهم عن طريق إنهاء الإعفاءات الضريبية للمدارس الخاصة. كما تعهد بعلاقة بناءة أكثر مع أوروبا، لكنه لن يعيد فتح مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (موقع حزب العمال الرسمي - 13 يونيو 2024).

تحدٍّ اقتصادي كبيرٌ وصعب

إن رجال الأعمال في بريطانيا كانوا حريصين على الاستماع إلى ستارمر طيلة الأشهر السابقة للانتخابات، أملاً في الخلاص من ازدراء جيريمي كوربين، زعيم الحزب اليساري المتشدد السابق، الذي كان يخطط لجمع عُشر أرباح كل شركة بريطانية كبرى. وفي الوقت ذاته لا تزال لديهم أسباب للقلق بشأن حزب العمال، أولها تأثر الحزب بقوة بتفكير إدارة جو بايدن المتشككة في العولمة المفرطة، وثانيها وجهة نظره حول "العمال" ورغبته في تغيير قانون العمل، ومنح الموظفين حقوقهم كاملة، وإصلاح محاكم العمل، وتعديل التعريفات القانونية لمصطلح "العامل".

تشير استطلاعات الرأي التي أجرتها "إيكونوميست" بين كبار رجال الأعمال إلى أنهم رغم مخاوفهم يفضلون رؤية حزب العمال في السلطة بدلاً من رؤية المحافظين. وتذكر الصحيفة أنه مع ذلك، إذا سُئلوا على انفراد، فسوف يعترفون بعدم اليقين المثير للقلق بشأن ما يخبئه ستارمر، فما قدمه حتى الآن مجرد وعود. ولكن ما يطمئنهم، سعي الحزب لاستعادة مبادئ الحكم الأساسية التي كثيراً ما أهملها المحافظون، مثل الاستقرار السياسي، وصنع سياسات واضحة يمكن التنبؤ بها. وفي المقابل، سيكون على الشركات استيعاب تلك التغييرات الكبيرة (Economist - 9 May 2024).

على أية حال، أظهرت الأرقام الرسمية أن الاقتصاد البريطاني نما في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024 مع خروج المملكة المتحدة من الركود. وقال مكتب الإحصاءات الوطنية إنه بين يناير ومارس، نما الاقتصاد بنسبة 0.7%. وكانت قوة الاقتصاد ساحة معركة مركزية في حملة الانتخابات العامة، بعد تباطؤ النمو في السنوات الأخيرة. وبطبيعة الحال يريد رجال الأعمال رؤية الناتج المحلي الإجمالي يرتفع بشكل مطرد، لأن ذلك يعني أن الناس ينفقون أكثر، ويتم خلق فرص عمل إضافية، ودفع مزيد من الضرائب للحكومة، ويحصل العمال على زيادات أفضل في الأجور. يقول بول ديلز، كبير الاقتصاديين البريطانيين في شركة الأبحاث كابيتال إيكونوميكس، إن الارتفاع السريع في نمو الناتج المحلي الإجمالي في أوائل عام 2024 يرجع بشكل أساسي إلى المراجعات التصاعدية للإنفاق الاستهلاكي. وبسبب ذلك أصبحت المملكة المتحدة أسرع الاقتصادات نمواً في مجموعة الدول السبع في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام (BBC - 28 June 2024).

هل يستطيع ستارمر نيل ثقة الشعب؟

لقد بنى ستارمر فرصته على إنكار المحافظين الأزمة السياسية التي يؤكدها حزبه ويقدم وعوداً بحلها. وهو يعلم أن المواطن البريطاني يستطيع معاقبة أي حكومة لا تفي بكلمتها، فالمملكة المتحدة نظام ملكي يقدم نفسه على أنه أقرب ما يكون إلى جمهورية الفضيلة منذ عصر كرومويل. ولذلك هناك عدد من الأسباب التي أدت إلى طرد المحافظين من السلطة. فقد أفادت استطلاعات الرأي التي أجرتها الصحف البريطانية بأن ثقة الجمهور بأعضاء البرلمان والحكومة قد انخفضت إلى أدنى مستوياتها التاريخية. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته الباحثة في الشؤون الخارجية لارا كينج لحساب موقع إيبسوس نهاية العام الماضي، فإن 9% فقط من الناخبين يثقون بقدرة السياسيين على قول الحقيقة. ويعتقد 14% فقط من الجمهور أن أعضاء البرلمان يعملون في السياسة لمساعدة الآخرين، بينما يعتقد 69% أنهم يعملون فيها من أجل أنفسهم (Ipsos - 14 Dec. 2023). 

على أية حال، سواء كان الشعب البريطاني يوافق على إستراتيجية ستارمر أم لا، والتي ركزها على استعادة الثقة، فإن المجتمع البريطاني قد سئم المحافظين وقرر التغيير، على أمل أن يُحدث العمال فرقاً. يرى المحرر السياسي للجارديان، مارتن كيتل، أنه من الناحية الخطابية، فإن لغة حزب العمال تضع سقف الطموح عالياً. فالفساد، والفضائح، والوعود الكاذبة، والحيل، واللغة المثيرة للانقسام، والباب الخلفي بين الحكومة وقطاع الأعمال، كل هذا يجب أن يذهب، والأمر متروك للحكومة الجديدة لاتخاذ الخطوة الأولى التي تنال بها ثقة الشعب، بتوفير خريطتها الأخلاقية وبوصلتها، ووضع القواعد وعقوبات خرقها (The Guardian - 4 July 2024). 

وهكذا ستكون أمام ستارمر فرصة كبيرة لبدء مرحلة إيجابية جديدة ونيل ثقة المواطنين، بدعم سيادة القانون، بما في ذلك القانون الدولي الذي ضرب به سوناك عرض الحائط. عليه أيضاً منع التعيينات العامة لأسباب حزبية، وعلى النقيض من سلوك حكومات المحافظين المتعاقبة، فمن الممكن أن يعمل على تمكين التنفيذ المستقل للقانون، بدلاً من إبقاء ذلك في يد رئيس الوزراء.

ولكن رغم الوعود البراقة لحزب العمال، فهناك أصوات حذرة للغاية في التعامل معها. يقول روبرت تايلور المحرر السياسي في موقع إكسبرس البريطاني "بالعودة إلى تلك الفترة الطويلة التي كان ستارمر فيها صديقاً لجيريمي كوربين، نجد أنه كان يقود محاولات إلغاء القرار الديمقراطي للشعب البريطاني بمغادرة الاتحاد الأوروبي، كما عُدّ أسوأ سياسي على الإطلاق في التهرب من الأسئلة، وهو الأمر الذي وصفه التلفزيون البريطاني بأنه عادة مروعة تماماً".

يضيف تايلور: "لقد ترشح ستارمر عام 2020 لقيادة حزب العمال على أساس برنامج يساري متشدد من التعهدات المصممة لحمل أنصار كوربين على التصويت لصالحه، وهي التعهدات التي سرعان ما تخلى عنها بمجرد فوزه؛ لذا، عندما يقول لي الناس إنهم معجبون بنزاهة ستارمر، فإنني أنظر إليهم بذهول. لا أستطيع أن أصدق كم. هم عميان. ألم يلاحظوا تراجعه عن كل ما كان يدعي أنه يؤمن به قبل أربع سنوات فقط؟ سوف أعطيه شهراً قبل أن يخرج بهذه العبارة: لقد تغيرت الظروف، الأمور أسوأ مما كنا نعتقد، لذلك لا يمكننا أن نفعل ما قلنا إننا سنفعله. وأعطي الأمر شهراً آخر قبل أن يبدأ الناس إدراك أن الرجل الذي انتخبوه بأغلبية ساحقة كان في الواقع يقدم مجرد وعود لطيفة" (Express - 2 July 2024).

تعقيب

إن عوامل الجذب التي يتمتع بها حزب العمال بالنسبة لرجال الأعمال حقيقية لا يمكن إنكارها، رغم الحذر الزائد لدى رواد الأعمال البريطانيين، فهم براغماتيون لا يرحمون بشأن الفوز في الانتخابات، خاصة أن ستارمر أكد لهم أن النمو الاقتصادي سيكون بديلاً عن أولويات حزب العمال التقليدية المتمثلة في إعادة التوزيع أو توفير الخدمات العامة، وأن الاقتصاد سيكون الأمر الأول للحكومة. وبالطبع فإن مغازلة حزب العمال رجال الاقتصاد تقوم على الوعود بالاستقرار، وهذا أمر مرحب به لديهم وضروري، ولكنه لن يكون كافياً ليكتسب ثقتهم الكاملة، على الأقل في المستقبل القريب.

وما يزيد القلق هو استعداد حزب العمال لاتخاذ مواقفَ عدوانيةٍ، فهو يخطط لشن غارات ضريبية تحظى بتغطية إعلامية على أهداف لا تحظى بشعبية، مثل المدارس الخاصة، لكنه ربما يلجأ إلى إجراءات مشابهة بشكل عشوائي أملاً في زيادة ميزانية الدولة. كما أنه لم يقدم آلياتٍ واضحةً لتنفيذ وعوده، كذلك تصريحات ستارمر بأنه مؤيد للعمال ومؤيد لرجال الأعمال في الوقت نفسه، فكيف سيوازن بين الأمرين. إن الغموض أمر مفهوم في بداية أي حكومة جديدة، لكن هذا المزيج من الوعود المتناقضة والمواقف المزدوجة يثير حتماً شكوك المواطنين، الذين رغبوا في الخلاص من حكم المحافظين بأي ثمن. 


twitter icon threads icon 41