مقالات تحليلية

الاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي في الإمارات

14-Feb-2023

تعد الإمارات ضمن الدول الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تنبهت مبكراً لأهمية توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات داخل الدولة، وفي بنية عمل الحكومة الاتحادية، في إطار السعي للنهوض بمكانة الدولة على المستوى الدولي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية وحتى التعليمية والإعلامية والتكنولوجيا والعسكرية.

تجلى الاهتمام الإماراتي المبكر بالذكاء الاصطناعي، بإعلان الحكومة الإلكترونية عام 2000، ثم إطلاق الحكومة الذكية عام 2013، ثم توالت القفزات في هذا المجال بشكل أكثر تسارعاً، إذ أطلقت مبادرة التحول الذكي عام 2015، ثم أطلقت الإمارات استراتيجية الدولة للذكاء الاصطناعي في عام 2017.

تحقيقاً لأهداف مئوية الدولة عام 2071، والرامية لأن تكون الدولة مركزاً جديداً على المستوى الدولي في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتشريعاته، وارتقاءً بمكانة الدولة على مختلف الصعد، وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم إمارة دبي، في 6 فبراير الجاري، بتكليف الجهات المختصة في الدولة برفع دراسة عاجلة لمجلس الوزراء حول الطريقة المثلى للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة في العمل الحكومي وتأثيراته المستقبلية على القطاعات التعليمية والصحية والإعلامية وغيرها وكيفية التعامل الحكومي الإيجابي والآمن مع هذه التقنيات، خاصة مع التطور الهائل الذي جاء به روبوت الدردشة ChatGPT.

في هذه الدراسة، سنحاول في المقام الأول أن نلقي الضوء على القطاعات التي يمكن فيها، استخدام الذكاء الاصطناعي، وتأثير استخدامه على تلك القطاعات وبالتالي الفرص والمكاسب التي يمكن أن يخلقها للدولة، في موازاة العقبات التي يمكن أن تبرز في إطار السعي لتعظيم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وكيفية تجاوز تلك العقبات.

الذكاء الاصطناعي وتأثيراته المستقبلية على قطاعات العمل الحكومي:

يمكن استخدام وتطبيق الذكاء الاصطناعي وتقنياته المختلفة في عمل قطاعات حكومية عديدة، كالتعليم والصحة والإعلام، أو حتى الاقتصاد والاستثمار والتجارة وغيرها الكثير، ويمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على تلك القطاعات بشكل إيجابي للغاية وعلى مستويات عديدة، كما سنوضح فيما يلي.

أولاً: اقتصادياً: فمن ناحية اقتصادية بحتة، يمكن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاعات عديدة، وعلى رأسها: التجارة والإنتاج الخدمي والسلعي سواء أكان الإنتاج تكنولوجياً أو صناعياً أو عسكرياً أو زراعياً أو غيره، لمساعدتها في ركيزتي دورتها الاقتصادية ومن حيث:

  1. تعميق معدلات الطلب: إذ يساعد الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات المتعلقة بالطلب فيما يخص التجارة والتجارة الإلكترونية، وتحسين تجربة الزبائن والعملاء المحليين والدوليين، وإجراء عمليات التسويق المبتكرة لمختلف السلع والمنتجات والخدمات التي تقدمها وتنتجها مؤسسات الدولة ومختلف المؤسسات التابعة للحكومة، وحتى مؤسسات القطاع الخاص التي تعمل بشكل منفرد أو بالشراكة مع المؤسسات الحكومية. وبالتالي، وكنتيجة منطقية لما سبق، يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تعميق معدلات الطلب المستقبلي على السلع والخدمات المنتَجة في الدولة، ورسم السلاسل الزمنية التي من خلالها يمكن توقع كمية الطلب على السلع والخدمات في وقت معين من المستقبل، وبالتالي، فسح المجال للمؤسسات الخدمية والإنتاجية، من أجل الاستعداد المبكر للتكيف مع الطلب المستقبلي الذي توقعه الذكاء الاصطناعي.
  2. توفير الموارد الطبيعية والمالية والزمنية: إذ يمكن أن يفضي استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية المذكورة، إلى مساعدتها في توفير الوقت والموارد الطبيعية والمالية، عبر إجرائه عمليات تحليل إحصائي وتكنولوجي عن مختلف عمليات الإنتاج السلعي والخدمي تفسح المجال لاستبعاد العناصر الكابحة لعمليات الإنتاج، ولإدماج العناصر الدافعة للإنتاج، ناهيك عن أن الذكاء الاصطناعي، وبقدراته على تشغيل الروبوتات في عمليات الإنتاج السابقة وإدماج أكبر للأتمتة في عمليات الإنتاج، قادر على تحقيق وفورات مالية كبيرة في الموازنات المالية للمؤسسات المختلفة من خلال توفيره الأجور والرواتب، وفي نفس الوقت، السماح لمثل تلك المؤسسات بأن تحقق كفاءة أكبر في أدائها من خلال الأتمتة والروبوتات، وفي النهاية، أن يسهم ما سبق في تحقيق وفورات أكبر للموارد الطبيعية المستخدمة في عمليات الإنتاج أياً كانت، من خلال: تقليص نسب النفايات والمهملات والهدر الناتج عن عمليات الإنتاج المختلفة، الأمر الذي يسهم في بلورة الاقتصاد الأخضر والصديق للبيئة.

ثانياً: استثمارياً: أيضاً وفي الجانب الاقتصادي، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الاستثماري لتعميق جاذبية الدولة في هذا المجال للاستثمارات الدولية والأجنبية، إذ يمكن أن يستخدم الذكاء الاصطناعي في هذا الصدد، في:

  1. تحليل المناطق: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم رؤية شاملة للمستثمرين الأجانب عن المناطق المحتملة للاستثمار داخل الدولة، وتحليل الأسواق والاقتصاد والسياسة بشكل عام.
  2. تحليل الأصول والقطاعات: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل الأصول والقطاعات المختلفة التي يمكن الاستثمار فيها، من ناحية تقييم فرص وعوائد الاستثمار فيها، وتقديم معلومات تتعلق بالعقود المستقبلية عنها.

ثالثاً: نفطياً وغازياً: أيضاً يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات إنتاج النفط والغاز، استناداً على إمكانيات الذكاء الاصطناعي في عدد من المجالات التي يمكن أن تسهم في تعزيز مكانة الدولة في أسواق الطاقة العالمية، إذ أن الذكاء الاصطناعي يمكنه المساعدة في:

  1. البحث والتحليل الجيولوجي: أي تحليل البيانات الجيولوجية وتحديد المواقع المحتملة للمصادر النفطية والغازية. 
  2. تحليل الأداء الاصطناعي: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أداء الصناعات النفطية والغازية وتحديد الأخطاء وتوفير الحلول بشأنها، لتحقيق الوفر المالي، والتقليل من كمية الهدر الكربوني.
  3. التحليل البيئي: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل تأثير الصناعات النفطية والغازية على البيئة وتحديد الإجراءات اللازمة لتحسين التأثير البيئي، بما يواءم خطط الدولة في خفض الانبعاثات الكربونية وبناء الاقتصاد الأخضر.

رابعاً: صحياً وطبياً: بعيداً عن القطاع الاقتصادي بشكل عام، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، فمن خلال تطوير تقنيات ذكية في القطاع الصحي، يمكن للدولة أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي في مجالات حيوية في هذا الصدد، لرفع معدلات الأعمار المتوقعة، ورفع معدلات الرعاية الصحية، ترسيخاً لمبدأ الأمن الطبي للدولة، إذ يمكن أن يستخدم الذكاء الاصطناعي طبياً وصحياً في مجالات عديدة منها:

  1. التشخيص والعلاج: وذلك بإنشاء قواعد بيانات صحية وطبية للأفراد تسهل على الطواقم الطبية سرعة تشخيص الأمراض واقتراح تلك القواعد طرق العلاج الأنسب والأكثر فاعلية، سواء أكان العلاج عن طريق الأدوية أو بالتدخلات الطبية.
  2. التنبؤ بالأمراض: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأمراض المختلفة، من خلال تقنيات ذكية يحمل عليها التاريخ الصحي، فمن خلال مثل تلك التقنيات التي تعتمد على التاريخ الطبي والصحي للفرد، يمكن التنبؤ بشكل مبكر بأي مرض يمكن أن يصيب فرداً معيناً، وبالتالي، تقديم العلاج اللازم للفرد قبل استفحال المرض.
  3. إجراء العمليات الجراحية المعقدة: إضافة لإجراء عمليات التنبؤ بالأمراض، والإسهام في تشخصيها واقتراح العلاجات اللازمة لها، يمكن للذكاء الاصطناعي إجراء العمليات الطبية المعقدة، التي يمكن أن يفشل الطبيب البشري في إجرائها بنسب نجاح عالية لتعقدها، ولطول وقتها.

خامساً: إعلامياً: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الإعلامي لرفع كفاءة الصحف والقنوات ووسائل الإعلام المختلفة لتواكب سرعة نقل وانتقال المعلومة عالمياً، إذ يساعد الذكاء الاصطناعي العالمي في قطاع الإعلام في مجالات عديدة منها:

  1. تحليل الأخبار: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد العاملين في القطاع الإعلامي في تحليل الأخبار وتصنيفها من ناحية الموضوع، وتحديد الأخبار الأكثر أهمية للعاملين في القطاع استناداً إلى مجالات اهتماماتهم الأساسية.
  2. تحليل ورصد التفاعلات والمشاهدات: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد العاملين في قطاع الإعلام في تحديد توجهات الجمهور والمواضيع الأكثر اهتماماً من طرفهم.
  3. تحليل النصوص والمضمون: إذ يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي العاملين في قطاع الإعلام في مجال تحليل النصوص، وتحليل مضمون الأخبار والمواضيع، استناداً إلى تحليل الكلمات أو الجمل، أو العناوين، وبسرعات كبيرة.
  4. المساعدة في إنتاج الأخبار والمواضيع: إذ يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي العاملين في قطاع الإعلام على إنتاج الأخبار أو المساعدة في توليد المواضيع والأخبار بشكل سريع ودقيق من ناحية لغوية، ونحوية، وعلمية.

سادساً: تعليمياً: أما وعلى المستوى التعليمي، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في رفع جودة العملية التعليمية من زوايا عديدة وعلى رأسها:

  1. التعليم الذاتي: إذ يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تساعد الطلاب في إتمام الواجبات والوظائف المنزلية، بكيفيات تفتح مداركهم لآفاق أوسع، في موازاة منحهم قدرات أكبر على التعلم الذاتي بمساعدة آلية، تتضمن الدقة العلمية، والسرعة في آن.
  2. التعليم الآلي: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي قيادة عملية التعليم للطلاب، كبديل عن المعلمين والأساتذة، والذي يمكن أن يتم عن بعد، لتوفير الجهد والمال، ولتقليص نفقات نقل الطلاب والمعلمين للمدارس والجامعات، وبالتالي، تقليص نسبة الازدحام في المدن، وتقليص نسبة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن عمليات النقل، وغيرها الكثير من الإيجابيات.
  3. تحليل الأداء والمواد الدراسية: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل أداء الطلاب في المدارس والجامعات، لتحديد المشكلات التي تواجههم، واقتراح حلول بشأنها، في موازاة تحليل المناهج الدراسية وتحديد المحتوى الأساسي والإضافي، وتحديد أين يواجه الطلاب مشكلات معينة في المنهج، بهدف المساعدة على حل تلك المشكلات أو اقتراح آليات لتجاوزها.
  4. التعليم المخصص: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي، أن يوفر عملية تعليمية مخصصة لطالب بعينه، تناسب قدراته الفكرية والعلمية وتناسب اهتماماته وشخصيته، لرفع قدرته على الإبداع والابتكار.

سابعاً: المجال الأمني العام والأمن السيبراني: إذ يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي الدولة في مجالات أمنية كثيرة، تسهم في تعزيز الأمن الاجتماعي بشكل عام، وتعزيز وتحصين الدولة ومؤسساتها من الجرائم والجرائم الأمنية والهجمات السيبرانية، ومن حيث:

  1. الأمن العام والتقليدي: إذ يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقواعد بيانات يسجل عليها تاريخ الجرائم وتطورها الزمني في الاتجاهات العامة، أن تمنح أجهزة الأمن وإنفاذ القانون، القدرة على تعقب المجرمين، وتوقع الجرائم في مناطق أو أخرى، استناداً على بياناتها التاريخية، وتطور بيانتها التاريخية زمنياً، واستناداً إلى طبيعة ساكنيها وجنسياتهم وظروفهم الاقتصادية والقانونية والاجتماعية المختلفة.
  2. الأمن السيبراني: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الدولة في تعزيز أمنها السيبراني وحماية المؤسسات من الهجمات السيبرانية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل مشكلات الأمان السيبراني بواسطة العديد من الأساليب، مثل تحليل البيانات وتحديد مصادر الخطر وتصنيع النظم الأمنية الذكية للكشف عن الهجمات المحتملة والتصدي لها قبل أن تؤثر على البنى التحتية الرقمية.

مجمل الآثار الإيجابية للذكاء الاصطناعي على مختلف القطاعات داخل الدولة، هي التي تفسر حالياً، الإنفاق الإماراتي على الذكاء الاصطناعي، الذي يتميز بأنه يتسارع بقفزات عديدة، إذ بلغت معدلات النمو في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة نسبة 65.1% عام 2018 ليبلغ معدل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي 52.1 مليون دولار عام 2018، ثم تعاظم الإنفاق عام 2019 لحدود 76.6 مليون دولار، ويتوقع أن يتزايد الإنفاق العام على الذكاء الاصطناعي حتى عام 2025 بنسبة سنوية تقدر بحدود 25%.

الإنفاق الإماراتي المتوقع على الذكاء الاصطناعي حتى نهاية عام 2025:

الشكل  استناداً إلى بيانات أوردتها: ماركت ريسيرش (بدون تاريخ)

أوجه الاستفادة من الذكاء الاصطناعي:

مما سبق من نقاش، يتضح لدينا أن تعميق الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الإمارات، يمكن أن يفضي لسلسلة طويلة من المكاسب وعلى رأسها:

  1. المكاسب المالية والاقتصادية التي يمكن أن تضمنها الدولة نتيجة لتقليص الذكاء الاصطناعي لحجم الهدر في عمليات الإنتاج المختلقة، ونتيجة لحماية عمل المؤسسات بعيداً عن الهجمات السيبرانية، وكنتيجة لتعميق الذكاء الاصطناعي من قدرة المؤسسات على تحقيق وفورات في نفقات الرواتب والأجور، وكنتيجة لمساعدة الذكاء الاصطناعي عمل مختلف المؤسسات في القطاعات المذكورة أعلاه وفي غيرها الكثير، على تطوير أدائها وكفاءتها، ففي عام 2030 يتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بما نسبته 13.6% من حجم الناتج المحلي الإجمالي الإماراتي المتوقع عام 2030، وهي نسبة تقارب مالياً ما حجمه 96 مليار دولار.
  2. المكاسب المتعلقة بتعزيز مكانة الإمارات في المنطقة والعالم، في مجالات عديدة منها: الريادة في مجال تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الدولة كنتيجة لاعتبارين: مسارعة الإمارات لتوظيف الذكاء الاصطناعي والاستعداد لمرحلة يقود فيها الذكاء الاصطناعي الكثير من القطاعات المختلفة بشكل مبكر على مستوى المنطقة، وكنتيجة لتباطؤ التحول للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وهذا الأمر، من شأنه أن يعزز جاذبية الدولة كمركز للاستثمارات التكنولوجية، وكرائدة في مجالات التحول للاقتصاد الرقمي والأخضر والمستدام بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
  3. خلق بيئة إماراتية قادرة على الابتكار والإبداع المستدام، كنتيجة لدمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمل الحكومي وعمل المؤسسات الحكومية والخاصة، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تعزيز مكانة الدولة كمركز لاستقطاب الاستثمارات التكنولوجية، في موازاة إسهام الإبداع والابتكار في تعزيز مسارات التحول للاقتصاد الأخضر والرقمي.


twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 746